الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
487
تفسير روح البيان
بالصفات السلبية التي يدل عليها التنزيه وبالصفات الثبوتية التي يدل عليها الحمد وفي الحديث ( التسبيح نصف الميزان والحمد للّه يملأه ) * قال المولى الفناري توضع الموازين لوزن الأعمال فيجعل فيها الكتب بما عملوا وآخر ما يوضع في الميزان قول الإنسان الحمد للّه ولهذا قال عليه السلام ( الحمد للّه تملأ الميزان ) فإنه يلقى في الميزان جميع اعمال العباد من الخير الا كلمة لا اله الا اللّه فيبقى على ملئه تحميدة فتجعل فيه فيمتلئ بها فان كفة ميزان كل أحد بقدر عمله من غير زيادة ولا نقصان وكل ذكر وعمل يدخل الميزان الا لا اله الا اللّه كما قلنا وسبب ذلك ان كل عمل خير له مقابل من ضده فيجعل هذا الخير في موازنته ولا يقابل لا اله الا اللّه الا الشرك ولا يجتمع توحيد شرك في ميزان أحد لأنه ان قال لا اله الا اللّه معتقدا لها فما أشرك وان أشرك فما اعتقد فلم يكن لها ما يعاد لها في الكفة الأخرى ولا يرجحها شئ فلهذا لا تدخل في الميزان واما المشركون فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا اى لا يقدر لهم ولا يوزن لهم عمل ولا من هو من أمثالهم من المعطل والمتكبر على اللّه فان اعمال خير المشرك محبوطة فلا يكون لشرهم ما يوازيه فلا وزن لهم واما صاحب السجلات فإنه شخص لم يعمل خيرا قط الا انه تلفظ يوما بكلمة لا اله الا اللّه مخلصا فيوضع له في مقابلة التسعة والتسعين سجلا من اعمال الشر كل سجل منها كما بين المشرق والمغرب وذلك لأنه ماله عمل خير غيرها فترجح كفتها بالجميع وتطيش السجلات * والتحقيق ان لا اله الا اللّه كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله ولا يعادله شئ والا لما كان واحدا بل كان اثنين فصاعدا فإذا أريد بهذه الكلمة التوحيد الحقيقي لم تدخل في الميزان لأنه ليس له معادل ومماثل فكيف يدخل فيه واليه أشار الخبر الصحيح عن اللّه تعالى قال اللّه تعالى ( لو أن السماوات السبع وعامرهن غيرى والأرضين السبع وعامرهن غيرى في كفة ولا اله الا اللّه في كفة مالت بهن لا اله الا اللّه ) فعلم من هذه الإشارة ان المانع من دخولها في ميزان الحقيقة هو عدم المماثل والمعادل كما قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وإذا أريد بها التوحيد الرسمي تدخل في الميزان لأنه يوجد لها ضد بل أضداد كما أشير اليه بحديث صاحب السجلات فما مالت الكفة الا بالبطاقة التي كتبها الملك فيها فهي الكلمة المكتوبة المنطوقة المخلوقة فعلم من هذه الإشارة ان السبب لدخولها في ميزان الشريعة هو وجود الضد والمخالف وهو السيئات المكتوبة في السجلات وانما وضعها في الميزان ليرى أهل الموقف في صاحب السجلات فضلها لكن انما يكون ذلك بعد دخول من شاء اللّه من الموحدين النار ولم يبق في الموقف الا من يدخل الجنة لأنها لا توضع في الميزان لمن قضى اللّه ان يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة أو بالعناية الإلهية فإنها لو وضعت لهم أيضا لما دخلوا النار أيضا ولزم الخلاف للقضاء وهو محال ووضعها فيه لصاحب السجلات اختصاص الهى يختص برحمته من يشاء هكذا حقق شيخى وسندى قدس سره هذا المقام ولا يدخل الموازين الا اعمال الجوارح شرها وخيرها وهي السمع والبصر واليد والبطن والفرج والرجل واما الأعمال الباطنة فلا تدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيها العدل وهو الميزان الحكمي فمحسوس لمحسوس ومعنى لمعنى يقابل كل شى بمثله فلهذا توزن الأعمال من حيث هي مكتوبة وقد أصاب من قال الذكر الخفي هو الذي لم يطلع عليه الحفظة وهو توحيد الحقيقي